يشهد موسم جني الزيتون في معظم أنحاء الضفة الغربية اعتداءات وحشية يشنها المستوطنون بحماية من جيش الاحتلال على المزارعين الفلسطينيين والأهالي وأصحاب أراضي الزيتون بما يشمل منعهم من جني الزيتون، وإفساد الطقوس الفلسطينية المتوارثة خلال موسم الحصاد لتصبح تلك الحقول مسرحًا للمواجهة والاعتداء و"قطرات زيت الزيتون المغمسة بالدم".
ووثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أكثر من 136 اعتداءً مباشراً مرتبطاً بقطف الزيتون منذ مطلع أكتوبر الجاري، وألحق أضرارا بالغة بأكثر من 2500 شجرة زيتون أو شتلة نتيجة الإحراق والقطع والسرقة.
فيما تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى أن 80% من الهجمات تركزت خلال الأسبوعين الماضيين فقط.
وتضمنت الاعتداءات الهجوم بالضرب بالعصي والحجارة والمقاليع على المزارعين، بمن فيهم النساء وكبار السن وإحراق حقول وبساتين الزيتون بالكامل لإتلاف المحاصيل التاريخية، واستخدام السلاح الناري لترهيب قاطفي الزيتون وإجبارهم على الفرار من أراضيهم، وإحراق مركبات المزارعين، والتحطيم والاستيلاء على معدات القطف وثمار الزيتون التي تم جنيها.
وتركزت الاعتداءات في البلدات المحاطة بالمستوطنات ففي محافظة رام الله والبيرة، شهدت هجمات عنيفة من مستوطنين ملثمين في قرى (أبو فلاح، ترمسعيا، برقة، ودير إبزيع)، وفي نابلس تركزت في بلدات وقرى (قصرة، جالود، وقبلان) جنوب المحافظة وفي الخليل استهدفت هجمات مسلحة منازل المواطنين وممتلكاتهم في بلدتي (السموع وبيت أمر)، وإضافة للأراضي الزراعية في بلدة عرابة قضاء جنين.
موسم صعب
لم يكن موسم الزيتون الذي عاشه علاء زيتاوي سهلاً، فرغم امتلاكه هو وعائلته 60 دونمًا في منطقة الصفرا القريبة من بلدة جماعين على بعد 16 كيلو مترا من مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، تحتوي على 350 شجرة زيتون لم تتمكن العائلة منذ بداية موسم "جني الزيتون" سوى جني شجرة زيتون واحدة كانت بشق الأنفس بعد اعتداءات متكررة من المستوطنين الذي نغصوا موسم الزيتون.
ويحكي زيتاوي لصحيفة "فلسطين"، بأن هذه السنة الأولى التي يأتي المستوطنون على منطقة "الصفرا"، ما دفع أصحاب أراضي الزيتون للتواجد قبل بدء الموسم بشكل جماعي، ليتفاجأوا باعتداءات المستوطنين التي تضمنت سرقة جرار زراعي وتكسير سيارات ورش غاز الفلفل.
صباح الجمعة حاول زيتاوي التوجه للأرض لجمع ثمار تكفي فقط عائلته، فوجد طائرة "درون" تحلق فوق رأسه، وسرعان ما انتشر المستوطنون في المكان.
ولم تقتصر المعاناة على منطقة "الصفرا" بل تمتد الاعتداءات والمعاناة على سائر الضفة الغربية، لافتا إلى أنه الأسبوع الماضي وخلال ذهابه لمنطقة عصيرة وجماعين ووادي يسوف برفقة الأهالي هناك لإحياء موسم الزيتون تعرضوا لاعتداءات وحشية من المستوطنين، تخلله سرقة جرار زراعي و"شوالات" زيتون ممتلئة بعد جهد وعمل عدة ساعات من العمل وجني الزيتون والاعتداء على كبار سن ونساء حاولن عيش لحظات تراثية متوارثة.
ويصف الموسم بأنه شاق ولم يكن نزهة، وبات المزارع يعمل ألف حساب قبل التوجه لجني الزيتون والذي أصبحت "لقمة الزيت خلاله مغمسة بالدم" ومخاطرة كبيرة، ويقول بنبرة إصرار وتحدي: "امتلك أرضنا في منطقة الصفرا أبا عن جد، وهي ليست مجرد أرض بل متنفس لأهالي جماعين والقرى المجاورة فعلى مدار سنوات طويلة لم يكن يأتي إليها المستوطنون".
ويستذكر المواسم السابقة بحسرة: "كانت أرضنا البالغة 60 دونما تنتج نحو 60 إلى 100 تنكة زيت زيتون، أما في هذا الموسم ورغم أن الشجر مليء بالزيتون فإنه لم نستطع سوى جني شجرة واحدة من أصل 350 شجرة زيتون"، مشيرا إلى أن الاعتداءات جرت بحماية جيش الاحتلال.
وفي 17 نوفمبر/ تشرين ثاني 2025 تفاجأ سكان "الصفرا" بإنشاء المستوطنين لبؤرة على بعد كيلو ونصف من المنطقة بهدف السيطرة على المكان، مقدرا، أن نحو 5 آلاف دونم من أراضي منطقة الصفرا وجماعين كلها مزروعة بالزيتون ويواجه أصحابها تحديات كبيرة واعتداءات مستمرة من المستوطنين بحماية جيش الاحتلال.
وفقد زيتاوي والأهالي طقوسا كانوا معتادين على تنظيمها بين حقول الزيتون، من تجميع العائلة في لمة واحدة وجني الزيتون، ففي هذه السنة لم يستطع اصطحاب سوى الشباب البالغين من الذكور لمواجهة اعتداءات المستوطنين.
هدوء انتهى باعتداء
في منطقة وادي ياسوف القريبة من بلدة جماعين، وبعد ساعات طويلة من العمل وجني ثمار الزيتون وقبل أن يغادر مجدي زيتاوي مع عائلته بحضور النساء والأطفال لحضور الموسم، تحولت ساعات الهدوء والفرح التي عاشتها العائلة إلى أحداث صعبة تخللها اعتداء من المستوطنين عليهم.
ويقول زيتاوي لصحيفة "فلسطين": "كنا على وشك الانتهاء ومغادرة الأرض المكونة من 4 دونمات، تبقى لنا 18 شجرة زيتون كنا نستعد لجني ثمارها، وعندما تحرك أبي بالجرار الزراعي حاصره مستوطنان وقام أحدهم بضربه بعصا على رأسه ونقلناه للمشفى، ثم جاء عدد لا يقل عن 15 مستوطنا بينهم مسلحان ورغم أنهم المعتدون قام جيش الاحتلال باعتقال ثلاثة من أخوتي".
وأضاف: "بعد ساعات من جد الزيتون جنينا ثلاث شوالات وكنا نفرش شوالين تحت شجرة الزيتون الخامسة والسادسة، وبعد ملاحظة وجود المستوطنين بدأ أبي بمغادرة المنطقة وعندما تحرك بالجرار الزراعي أوقفه المستوطنون على مفترق الطريق وحدث الاعتداء على الجميع: أطفال نساء رجال".
وبعدما كان زيتاوي يصطحب أهله، ويحييون طقوسا متوارثة يصف الوضع الحالي بأنه خطر، بحيث أصبح المزارع يذهب لأرضي لحرث الشجر الذي يبلغ عمره 25 سنة وتنظيف أرضها ومحيط الجذع وإزالة الأعشاب، ومن ثم يأتي للحصاد وجني الثمار التي أصبحت مهمة محفوفة بالمخاطر.
ووفق رئيس بلدية جماعين، معن ياسين، إن بلدة جماعين تقع جنوب نابلس، في نقطة وسط بين نابلس وسلفيت ورام الله، ويبلغ عدد سكانها 10 آلاف نسمة، وتضم مئات الدونمات المزروعة بالزيتون.
وأوضح ياسين لصحيفة "فلسطين" أن المزارعين لم يعيشوا موسم زيتون حقيقيًا هذا العام، بعدما تعرضوا للطرد من أراضيهم، مشيرًا إلى وجود بؤرة استيطانية في منطقة الصفرا بجماعين، هاجم مستوطنون من مستوطنة يتسهار والبؤرة المقامة، بالتعاون مع جيش الاحتلال، المزارعين فيها وطردوهم من أراضيهم. وأضاف أن مزارعين تعرضوا للهجوم أيضًا في منطقة قريبة من مستوطنة أرئيل.
وبيّن أن الاعتداءات شملت سرقة المحصول وتجريف الأراضي وملاحقة المزارعين وطردهم، ومحاولات إيذاء كثير منهم، لافتًا إلى تعرض أربعة شبان للاعتقال.
وأشار ياسين إلى أن موسم الزيتون كان مناسبة عائلية مريحة وموسم خير، لكنه تحول هذا العام إلى مواجهة تحمل الخوف والقلق والتهديد.



